ابن قتيبة الدينوري

241

تأويل مشكل القرآن

في سورة الجن قال أبو محمد : في هذه السورة إشكال وغموض : بما وقع فيها من تكرار ( إنّ ) واختلاف القرّاء في نصبها وكسرها ، واشتباه ما فيها من قول اللّه تعالى وقول الجن ، فاحتجنا إلى تأويل السورة كلّها . قال تعالى لنبيه : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ وكانوا استمعوا لرسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو يقرأ : فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [ الجن : 1 ] يعني أنهم قالوا ذلك لقومهم حين رجعوا إليهم . واعتبار هذا قوله : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ثم قال : فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [ الأحقاف : 29 ] . ثم قال : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً ( 3 ) [ الجن : 3 ] يقال : جدّ فلان في قومه : إذا عظم عندهم . ثم قال : وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً ( 4 ) [ الجن : 4 ] أي : جاهلنا يقول شططا ، أي : غلوا في الكذب والجور . ثم قال : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً ( 5 ) [ الجن : 5 ] . يقولون : كنا نتوهم أنّ أحدا لا يقول على اللّه باطلا . يريدون : إنّا كنا قبل اليوم نصدّقهم ونحن نظن أن أحدا لا يكذب على اللّه . وانقطع هاهنا قول الجن . و ( إن ) في جميع هذا مكسورة إلا ( أنّه استمع ) . وقال اللّه تعالى : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 6 ] فإن شئت أن تنصب وَأَنَّهُ وتردها إلى قوله : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ ، وأنه أوحى إليّ أنه كان رجال - نصبت . وإن شئت أن تكسرها وتجعلها مبتدأة من اللّه سبحانه ، فعلت . وكان الرجل في الجاهلية إذا سافر فصار إلى موضع مقفر موحش لا أنيس به ، قال : أعوذ بسيّد هذا المكان من سفهائه . يعني سفهاء الجن ويعني بالسيد : رئيسهم . يقول اللّه عزّ وجل : فَزادُوهُمْ رَهَقاً [ الجن : 6 ] يريد أنهم يزدادون بهذا التعوّذ طغيانا وإثما فيقولون : سدنا الجن والإنس . ثم قال تعالى : وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً ( 7 ) [ الجن : 7 ] يقول : ظن الجن كما ظننتم أيها الإنس أن لا بعث يوم القيامة . أي كانوا لا يؤمنون بالبعث كما أنكم لا تؤمنون به .